السيد كمال الحيدري
11
منهاج الصالحين (1425ه-)
الطبيعي أن يترافق ذلك مع نموّ خبرات المجتهدين وتراكم لفتاتهم وانتباهاتهم على مرّ الزمن ، ويكون للمجتهد المتأخّر دائماً رصيدٌ وعمقٌ أوسع بالاستنباط . وهذا سببٌ وجيهٌ يدعو إلى عدم جواز جمود المقلّدين على رأي فقيهٍ من فقهاء عصر الغيبة طيلة قرنٍ أو قرون ؛ لأنّ ذلك كالجمود على رأي طبيبٍ مع نموّ الطب بعده وتراكم الخبرات خلال تلك المدّة . من هنا كانت رابطةُ المقلّدِ بالمرجع الدينيّ رابطةً حيّةً متجدّدةً باستمرار ، ويزيدها قدسيّةً ما يتمثّل في المرجع من نيابةٍ عامّةٍ عن الإمام عليه الصَّلاة السلام في أمور الدين ، وهذا ما يفسّر لنا كونَ المرجعِ الدينيّ في زمن الغيبة هو المحورَ للآخرين في فهم جميع المعارف الدينية لا خصوص الحلال والحرام فقط . لذا نجد أنّ الشريعة قد ساهمت في تعزيز مبدأي الاجتهاد والتقليد بحيث يؤدّيان هدفهما المنشود . والتقليد مبدأ سائغٌ ومشروعٌ جرت عليه سنّة الحياة وسنّة المسلمين منذ صدر الإسلام وإلى يومنا هذا ، ومن هنا وجَّه أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) مواليهم إلى تقليد الفقهاء من أبناء مدرستهم والرجوع إليهم . نعم ، منعت الشريعة المقدّسة من التقليد الأعمى أو السلبي ، وهو المبتني على التعصّب ومتابعة الجاهل ، ففرقٌ بين أن نتّبع العالم من ذوي الاختصاص وبين أن نتّبع الجاهل الذي لا تخصّص له . هل التقليد خاصّ بالمسائل الشرعيّة أم يعمّ العقائدية ؟ أوجبت الشريعةُ التقليدَ - بالمعنى المتقدّم - في مسائل الحلال والحرام ، وحرّمت ذلك في المسائل العقائدية الأساسية ، فلم تسمح للمكلَّف بأن يُقلّد فيها ؛ وذلك لأنّ المطلوب في هذه المسائل حصول العلم واليقين للمكلَّف بربّه ونبيّه ومعاده وإمامه ، بخلاف المطلوب في مسائل الحلال والحرام ، ومن هنا دعت الشريعةُ كلّ إنسانٍ مسلمٍ إلى أن يتحمّل مسؤولية عقائده الدينية الأساسية والمحوريّة ، بدلًا من أن يرجع فيها إلى المتخصّص ويحمّله مسؤوليتها من غير تحقيقٍ ودليل .